اتركوني أنا وربي...
قصة عبد الفتاح الطياري
ولد مع برج الأسد،
يملك ثقة عالية بالنفس تصل أحيانا إلى درجة الغرور.
وفتيا صار حملا،
إيجابي الضمير، طيب القلب، يسعى لمساعدة من حوله، قيادي ومغامر.
ثم عاش على مركب الجوزاء،
طموح، يكره الروتين ويحب التجديد، حنونا، ينشر الطاقة الإيجابية أين ما يكون.
كان صحافي مسافر مهرب الكلمات، أراد أن يغامر بقلمه أمام أفواه مدافع الدم ليشهد...
مع الربيع العربي، أزهرت ربوعه وتقوى عود دينه. وظهر له أن كل ما يحيط به تافها... لبس حلة الفتوحات وقصد ربه. اعترضت طريقه فتاة حاذقة في علوم العلاقات فربطت بينه وبين مناضلي الحق المشوه على ضفاف دجلة والفرات. لم يحقق مبتغاه أوقفه الأكراد قبل أن يصل إلى بغداد.
قضى ثلاث سنوات في سجن العمال في كردستان متنقلا بين سوريا والعراق وإيران... ومن حبسه، في ليلة من ليالي صيف بلاد الرافدين سعى بإذن من سجانه مساعدة فرقة مهرجين ألمان قدمت لتسلية المساجين... أحبته ممثلة وهرب معا إلى برلين.
فهم بعد معاناة السجون وجفاف الهجرة ولذع المنفى معنى الحدود.
فهم أن "من سار على الدرب تعثر وسقط، تألم ونهض، خذل ووقف، كابد اليأس وحارب ثم مشى بالعزيمة، وظن بالله خيرا، حتى وصل...!"
كانت علاقة العاشقين حرب بين الثقافة والدين. لم تخذله رافقته حتى بلاد "جوتة" وسلمته لإخوانه المسلمين... مسرحية تحرير فلسطين لم تستهواه . لقد عاشها في "الرقة" ولم يعد يؤمن بأسطورة المنقذين. كفاه ما رآه من قتل الأبرياء والمساكين باسم إعارة الفقراء وإعلاء كلمة الدين.
كان رده مضحكا لمن يسأله ماذا ستفعل في الحين... سأكتب ومن فضلكم "اتركوني أنا وربي". فلستم علي بمؤتمنين.
كتب قال:
«لا أترقب من أهل الأرض شيئا وحتى أن مت لا تدفنونني... لا تحزنوا عني... لا تبكوني..
مع تقدم سني... سئمت التفاسير... سئمت مجد أطلال السابقين... سئمت التدجيل الأبوي لاستنساخ كلام الله.
من زمن دراستي سئمت تكرار هاتين الجملتين:
من سار على الدرب وصل
الشجاعة تخلف الذل
وركنت إلى فرائضي حتى ولو كانت مبتورة !
لا حاجة لي بدروس خصوصية في صنع المعروف وفي علم التكافل وطبيعة الطيبة وحس المساندة.
لا أطيق الثرثرة، فعند الشدة لا تجد سواعد ولا كلام حاشية... بل أقفاص ومنادف... أو سكين في أحسن مقام.
يزيفون عليك سمعة وشهرة رجال لا دراية لهم بهم، خوفا عن ثوابتهم أن تتزعزع وتنهار...
زينوا هواهم ليجوروا، وكأنها حقيقة ثابتة.
هلوستهم لا تمسني بأذى لأنني اخترت الدرب دون رجعة :
"من سوٓاك بنفسه ما ظلمك" حتى ولو أسأت فهمه.
العقبة وما أدراك ما العقبة، يبدو أن من يفعلون ذلك يتصورون أن أداء مثل هذه العبادات فقط هو أكبر ضامن لهم لدخول الجنة، إنها عوائقهم. فلا ديْن عليا بها. فلا ضميري مورط ولا نفسي في معضلة.
كرههم لا يشبعني بل تجاهلهم يحميني من كل كفالة.
لقد رأيت وعشت كثيرا بحيث لا أصدق من هذيانهم ولو كلمة واحدة.»
سأل المتشرد الذي يشاطر معه مخبأه الليلي ، تفاديا لمتابعة البوليس للمهاجرين الغير الرسميين :
من تحب أكثر، أخاك أم صديقك؟ فقال: أحب أخي حينما يكون صديقي، وأحب صديقي حينما يكون أخي.
وهل تحب ربك؟
أحب من يحبني...
من ذلك الحين تغيرت مسالكه.
وبعد التسكع في شوارع برلين، بين توزيع الجرائد المجانية، واعانة العجائز لقضاء حاجياتهم ، تطوعا ، ثم عمله الليلي خلسة كمدرس بجمعية اغاثة اللاجئين من العرب والمسلمين... واصل عنايته بكتابة مذكرات شرائح من حياة هؤلاء الغرقى.
وفي ليلة من ليالي الشتاء القارس... قدمت فرقة مسرح إلى مأوى المشردين لتسلية المغتربين... رأته، ارتمت في عنقه وقبلته طويلا... وطويلا وطويلا ومن وقتها أحبها واحبته وتواعدا بأن لا يتجاذبا قادما مواضيع الدين.
تزوجا وأنجبا أطفال الحب بلا حدود...
وعندما يرجع لروحه ولتطمين نفسه... يتنبأ متفائلا:
-- من رمم روحه بعد كسرتها رغم الاستحالة أن يرجع مثل ما كان سابقا! انتصر... فلكل واحد كتابه. أما الحساب سيبقى بيني وبين الله... ولا يوجد منقذ سواه...
عبد الفتاح الطياري
تونس
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق