الاثنين، 1 مايو 2023

صحراء٠٠٠٠عبد الفتاح الطياري

 صحراء 

بدأنا في الارتفاع في اتجاه الجنوب، على ما يبدو؛ ثم أظلمت السماء وكنا في وسط عاصفة، وكان المطر غزيرا لدرجة أنه كان مثل الطيران عبر شلال، ثم خرجنا وأدار المرافق رأسه وابتسم مشيرا إلى شيء هناك، أمامنا ، كل ما هو يمكن أن يرى، على نطاق واسع مثل العالم، هائلة وعالية وصفراء بشكل مستحيل في الشمس، كانت القمة المربعة "واحة عين خداج " التونسية الذي ارتبط اسمها برواية تقول إن مياهها تتغير منتصف كل ليلة فتصبح تركيبتها مغذاة بمواد كبريتية تساعد على علاج الأمراض المستعصية والشفاء منها.

جلسنا القرفصاء العميق لنتعرف على حقيقة ماء منتصف الليل... نلمس السائل بعصينا ونترقب وكلنا موسى وهو يعبر البحر الأحمر بعصاه السحرية.

جاء الوقت ولم تحدث الكيمياء.

استحمممنا... نمنا تحت نخيل الخرافات... ومع القمر تلاقت الأجساد وجاد الكرم...

عندما غادرنا الواحة، كانت الصحراء هي ما كان يدور في أذهاننا، فقد أصبحت تقريبا هاجسا بمجرد أن أخذنا طريق الرمال...

كانت خطواتنا الأولى في دوز ، في الصباح الباكر، بمثابة استراحة ثقافية قبل المعاناة من العوز، والتنزه قبل الزهد. لأن ذلك اليوم كان يوم السوق. يوم تسوق به المواد الغذائية المعتادة والفواكه والتوابل والملابس... ولكن أيضا سوق للماشية.

تتدافع حواسنا بالطريقة التي نحبها، من خلال روائح غير معروفة، بألوان جديدة، بأجساد تحك أكتافنا، ولغات تتحرك بألوان لا توصف.

بعد هذا القوس الملون والمثير، نتجه نحو الصحراء بمجرد أن نغادر دوز ، تتلاشى النباتات، وتغزو الرمال كل شيء. تبدو القرية الأخيرة وكأنها مدفونة، تقاوم بطريقة ما زحف الصحراء، بطيئة ولا هوادة فيها.

في هذا الشهر من شهر مارس، كانت درجة الحرارة مثالية، حوالي العشرين درجة، السماء صافية تماما، الشمس تحطم بياض الكثبان الرملية. بعد ساعة من المشي، توقفنا بالفعل لتناول الغداء. تفريغ الجمال، وجلب الحطب، وإعداد الوجبة... نفهم أن الوقت يمر بشكل مختلف هنا. علينا أن نتعلم كيف نتحرر من الضغط، ونترك الساعات تفلت، وننغمس في متعة التأمل، ونستمتع باللحظة الحالية دون أن نحاول "فعل" أي حركة، بل "نشعر". قد يبدو هذا تافها، لكنه ليس سهلا جدا. نظرا لأننا معتادون على الإنتاج، والفعالية، وتحسين وقتنا، ننسى ما يلزمنا من وقت، للإبطاء.

إن العيش كبدو في الصحراء، دون سيارة، حتى لبضعة أيام، هو درس عظيم.

نحن مرتاحون لنعيش نهاية لحظتنا الحالية. إن الصحراء لديها هذه القوة. 

لا أستطيع أن أشرح بأي سحر لديها هذه القدرة على تهدئتنا. ربما الصمت، والمساحات المفتوحة الواسعة، والاختلافات الضئيلة ولكن اللانهائية في المناظر الطبيعية، والحيوانات والنباتات. لا يهم بعد كل شيء، ما هو مؤكد هو أن الصحراء التونسية دعتني أحيانا إلى الاستبطان، وأحيانا إلى التأمل.

من خلال التوقف كل ليلة عندما نحب، بدأنا روتينا مطمئنا. تفريغ الإبل وتركها ترعى، ونصب الخيمة البدوية، وجلب الحطب، وتجهيز نار المخيم. ثم تطبخ وأنت تشاهد غروب الشمس، وتناول الطعام أثناء سرد القصص، وتشرب الشاي وأخيرا تذهب للراحة. ثم تكرر ذلك في صباح اليوم التالي، وتشعل النار ، وتعد خبز الرمل، وتتناول الطعام، وتفكك الخيمة، وتنتزع الجمال، وتتجه إلى موقع جديد للمخيم.

جعلتني طقوس الخيام وأمكنة الاستراحة الثابتة أفكر في تلك المحادثات التي أجريتها مع مرافقي رحلة الهواء ، حتى لو لم يكونوا ثرثارة جدا، من باب التواضع على ما أعتقد، كانت غنية بالدروس. الحنان الذي أبدوه تجاه الإنسان، وإحسانهم، وروح الدعابة غالبا ما استبدلت العديد من الكلمات، لذلك كنا مرتاحين حقا معهم، وسعداء بمشاركتهم هذه اللحظة.

غادرت الصحراء وفي نفسي إنسانا جديدا... مبتكر متواضع ورصين... تعلمت السماع... تعلمت التجلد والاحتمال... فهمت أن الآخر يعدّ ويعتبر.

عبد الفتاح الطياري

 تونس

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

كترت مظااالمك....... عماد الأبنودي

 كترت   مظااالمك بقلم/عماد الأبنودي  •••••••••••••• كترت  مظااالمك  يااا  زمن  و ظلمك  سايد  من  سنين  و العدل  تاه  جوه  مخالبك  و كفوفك  ب...